فلسفة اللاعنف في الإسلام (2) الفلاسفة والشعراء

24/11/2014

فلسفة اللاعنف في الإسلام (2)

الفلاسفة والشعراء

 

شبلي ملاّط

تاريخ المقال: 24-11-2014 01:57 AM

في رحلة إحياء التراث سجلٌّ حافل عند كبار الشعراء الفلاسفة. فلْنُصْغِ الى أبي الطيّب المتنبي (ت.965) في شجب الإنسان على جعله كلّ ما وضع يدَه عليه أداةً للحرب:
كلَّما أنْبتَ الزمان قناةً/
ركَّب المرءُ في القناةِ سنانا
ولئلا يلتبس المعنى اللاعنفي يتبع بيتٌ مكمِّلاً صرخة الشاعر الإنسانية:
ومراد النفوس أصغر من أن/
نتـــعادى فيهــا ونتفـــــــــــــــــانى
هذان البيتان قد لا يتجانسان تماماً مع أطباع المتنبي المقاتلة في سائر ديوانه. لكن روحيهما متطابقتان تماماً مع أطباع الفيلسوف الضرير، أبي العلاء المعرّي (ت. 1058)، وهو الرَّمز الأدبي العظيم في التراث العربي الإنساني. ومن آثاره المهمة رسالة الغفران، وهي رسالة تدور على حوار يسبق فيه خلَفَه دانتي أليغييري Dante Alighieri في تصوّر الكوميديا الإلهية بتعرّض أبي العلاء لأهل الأدب والفكر في مثواهم الأزلي. وشأنه شأن أشعر الشعراء وأعظم الفلاسفة في طبيعتهم الخارجة عن رتابة المعاش اليومي بتعبيرهم الأدبي للشواذ المشوّق فيه، حُجّة المعرِّي في رسالته الفلسفية الشهيرة انفتاحُ الجنّة التي يتصوّرها على أهل الفكر المبدع بقدر انفتاحها على الخاشع المتديّن الفاقد لموهبة الإبداع.
أما الغفران، وهو مادةٌ أساسيةٌ للرسالة، فمفهوم شديد الأثِرة عند المعرّي، يعبّر عنه العصر الحديث بالتسامح، وقد جاءت الكلمة في حلّتها القريبة إسماً لحديقة في وسط بيروت تذكّر المارّين بها عن عبث الحروب اللبنانية الطويلة. وليس من باب الصُّدف أن أضحى نصب المعرّي في قريته شمال سوريا محطَّ العبث لثورة تحوَّلت الى العنف في مسارٍ خَنَقَها، فقُطِع فيها رأس تمثال أبي العلاء في المعرّة على يد إحدى الفئات المتزمّتة تثبيتاً لغلوِّها.
وما ليس معروفاً في سيرة أبي العلاء قناعةٌ راسخةٌ كفيلسوف اللاعنف في زمن جداً متقدّم على أترابه؛ وهي فِعلاً قناعةٌ باللاعنف المطلق يعبّر عنه في أبيات شديدة الوقع من تراث نهايات حياته في ديوان اللزوميات. وهذه القناعة المتصلة بالشك العقلاني الذي يشترك فيه أبو العلاء مع معلّمه المتنبي تجاه مُفاخرة الإنسان العبثية وميوله الى الأذى، نراها جليّةً في أشعر ما نظمه الفيلسوف الإنساني منتصف القرن الحادي عشر.
ففي اللزوميات مقطع مميّز عن إخفاق البشر أخلاقياً لاستشراء أذى الإنسان للحيوان، فكيف بالأذى الموجّه تجاه أخيه الإنسان:
فلا تأكُلَنَّ ما أخرج الماءُ، ظلمـــــــــاً،/
ولا تبغ قوتاً من غريض الذبائحِ
وأبيضُ أمّةٍ أرادت صريحـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه/
لأطفالهـــــا، دون الغواني الصّرائحِ/
ولا تفجَعنَّ الطير وهي غــــــــــــــــــــــــوافلُ/
بما وَضَعَتْ، فالظُّلم شرُّ القبائحِ/
ودَعْ شَهْدَ النّحل الذي بَكَّرت له/
كواسبٌ من أزهـــــار نَبْتٍ فوائحِ/
فما أزهرته كي يكون لغيرهــــــــــــــــــــــــــــــــا/
ولا جمعته للــــنــــــــدى والمنــــــــــــــــــــائحِ
ومع هذه المقاربة الشبيهة بعقيدة جَينْيِيّي الهند Jain، والتي يندم الشاعر في البيت التالي عدم اعتناقها في حياته السابقة، تتجلى حُجّة نقولها في كلمتنا المعاصرة باستحالة جمع الاستبداد والدين.
متى ما كشفتم عن حقائق دينكـــــــــــــــــــــــم/
تكشَّفتم عن مُخزيات الفضائح/
فإن ترشدوا فلا تُخضِّبوا السيف من دمٍ/
ولا تلزموا الأميـــــال سير الجرائحِ
وبنموّ القصيدة ينتقل المعرّي من موقف سلبي من نبذ للعنف واستعمال الدّين ذريعةً له الى الإقبال الإيجابي على اعتناق اللاعنف سبيلاً في الحياة، فيصبح داعيةً واضحةً لفلسفة اللاعنف، ينتقد فيه الرهبان لابتعادهم عن رغدٍ للعيش لا يطلبه العيش منهم، وللجلوس في التأمل بدلاً من «مشيةِ السائح وراء المسيح».
ويعجبني دأب الـــــــــــــــــذين ترهّبوا/
سوى أكلهم كـــدِّ النفوس الشحائح/
وأطيبُ منهم مطعماً في حياتـه/
سعاةُ حلالٍ بين غـــــــــــــــــــادٍ ورائـــــــــــــــــــحِ
فما حَبَس النّفسَ المسيحُ تعبُّدا/
ولكن مشى في الأرض مشْيةَ سائحِ
والدعوة الى اللاعنف لا تقتصر في العصر الكلاسيكي على التوفيق الإنساني بين الأديان الذي يمثله المعري، فنراها أيضاً من صلب الفلسفة اليهودية وفقهها، حول ابن ميمون بالأخصّ (ت. 1204)، وهو الذي يعتبره فيلسوفاً عربياً عملاقٌ بحجم هيغل، جدَّد الساحة الفقهية في تراث الشرق الأوسط اليهودي متزامناً مع تجديدها في بدائع الكاساني. وقد أعيدت قراءة أشهر رسائل ابن ميمون الفلسفية، كتاب مرشد الحيران، الذي تمّ تأليفه باللغة العربية، كرسالة في اللاعنف من قلب الفكر اليهودي الأصيل.
الفلسفة والصوفية
وَجَدَ التوحيد ما بين الأديان طرقاً أخرى في التراث الإسلامي، لا سيّما في التصوّف. هذا ثابت في الفكر السني والفكر الشيعي على السواء. والتصوف السنّي معروف، وبالأخصّ في كبار وجوهه أمثال الحلاج (ت. 922) وابن عربي (ت.1240)، إنما استمرّ التصوّف والعرفان عند الشيعة مبدعاً في الكتابات الفلسفية الشيعية فترة أطول.
فمهما كان ارتباط العنف بالإسلام السياسي بارزاً في ثوبه الإيراني المعاصر، غير أنّ الفلسفة الشيعية تحوي رافداً أعمق غَذَّى بعض الثورة الإيرانية المغمور في عامي 1978 و1979، وهذا الرافد تعود جذوره الى المدرسة الإشراقية التي ارتبطت باسم السُّهْروَرْدي (ت.1191). وقد وجدت المدرسة الإشراقية أرفعَ صداها عند فيلسوف معاصر كبير هو هنري كوربين، وتعبيرها الثوري الأكثر تألقاً عند علي شريعتي. ومن سوء الحظّ أنهما غابا عن الساحة أشهراً قليلة قبل نجاح الزلزال الثوري الذي غيّر وجه ايران، شريعتي العام 1977 وكوربين العام 1978.
أما المساهمة الفلسفية في إحياء الإشراق في كتابات كوربين الأثيرة، كما المساهمة الأكثر تبسيطاً في كرّاسات شريعتي المتفرقة، فهي راسخة في جذورها الفكرية عند فلاسفة إيران في القرن السابع عشر. هذا التراث الفريد من نوعه عالمياً رأى أوجَه في الأسفار الأربعة، الممتدّة في بحر الأجزاء التسعة التي ألّفها صدر الدين الشيرازي في رحلته الروحية المتعالية نحو الحقيقة. وأسفار الملاّ صدرا عقلانية في معنى ديكارت للكلمة، لكن الشكّ الكوني الذي دحضه ديكارت بالكوجيتو cogito، خلافاً للشك الذي يعتري أسفار الملاّ صدرا، يتوارى لدى الفيلسوف الإيراني الكبير في جدليّة متعالية يسميها الشيرازي «بالحركة الجوهريّة».
وتأتي الحركة الجوهرية رداً على التشكيك في ظاهر العالم، يواجهه الشيرازي في الحركة التي تحمل الإنسان عِبْرَ حياته الواحدة، تفسّر استمرار جوهر الإنسان الفرد من نشأته الى كهولته، وتتطوّر في لولبٍ متعالٍ من خلال أسفاره العقلية: «وكل إنسان يشعر من ذاته أمراً واحداً بالشخص غير متغيِّر وإن كان بمعنى الاتصال واحداً الى انقضاء العمر».
من الخطأ طبعاً الاستنتاج بأن الإسلام أو العرب أو حتى كاتب معين محطُّ فلسفة اللاعنف ترتبطُ مباشرة بقيام ثورة الشرق الأوسط. فكلُّ دينٍ يترك التأويل واسعاً أمام العنف بنصوص مناسبة للدعوة اليه، كما في تاريخٍ عامرٍ بسفك الدماء في الغزوات والغزوات المضادّة وفي الدعوات المعاصرة الى العنف المبرّح أمثالَ البغدادي، كما أمثالَهم المسيحيين واليهود والبوذيين والهندوسيين. أما القراءات المخالفة التي قدمنا نبذةً يسيرةً منها، فهي مجرّد نموذج للطاقة الهائلة التي تكتنزها جميع الديانات والمجتمعات والثقافات، يستعين بشهادتها أعضاؤها ومريدوها في تراث غنيٍ باللاعنف، وفي مقابل العنف، في إحياء الإنسانية بعيداً عن القتال والبطش والمعارك الدمويّة على أشكالها.

من محاضرة ألقيت في رابطة أصدقاء كمال جنبلاط في 29 تشرين الأول، وهي مستلّة من كتاب بعنوان «فلسفةاللاعنف»، قيد الطبع في دار أوكسفورد.


كلمات المفتاح:  سوريا ،  الهند ،  ايران ،  الدين

 assafir_logo

Previous post:

Next post: